يحيى بن معاذ الرازي

24

جواهر التصوف

* وقد خاطب الله المؤمنين يحذّرهم النار ، ويكلفهم حماية من في كنفهم منها ، قال تعالي : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ [ التحريم : 6 ] . إلا أن الكثيرين من الناس في غمار توفير الكماليات لذويهم نسوا أن يرشدوهم إلى حق الله عليهم ، وكذلك حقوق الآخرين ، وفقد البيت وظيفته التربوية ودوره في غرس الدّين والمبادئ السامية وأصبح أشبه ما يكون بمراكز التسمين ؛ تراهم يخشون على أولادهم نزلات البرد ولا يخشون عليهم زمهرير جهنم ، يفزعهم ارتفاع درجة حرارة ولدهم ولا يحذّرونه لفح السّعير غدا . . وحالهم حال القطة التي تخشى على صغارها من عبث الأطفال فتأكلهم حماية لهم . . هل رأيت أغبى من هذا . . ؟ ! ! * والعلماء أشفق بالأمة من الآباء والأمهات بأولادهم ، وذلك لأن العلماء ورثة النبي صلى اللّه عليه وسلم ، والنبىّ أولى بالمؤمنين من أنفسهم ، عزيز عليه ما يصيبهم من عنت ، حريص عليهم رؤوف بهم رحيم . والعلماء في دعوتهم الناس إلى الالتزام بمنهج الله وسنّة رسوله ، إنما يدعونهم إلى صلاح أمورهم في الدنيا وإلى الفوز بجنات النعيم في الآخرة : اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ [ الأنفال : 24 ] وقال تعالى وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ [ العنكبوت : 64 ] . * * * 15 - « العامّة يحتاجون إلى أهل العلم في الجنة كما في الدنيا » فقيل له : كيف ذلك ؟ قال : « يقال للعامة في الجنة : تمنّوا ، فلا يدرون ما يقولون ؛ فيقولون : نرجع إلى أهل العلم فنسألهم ، فيكون ذلك تمام مكرمة لأهل العلم » . [ طبقات الشعراني : 1 / 183 ] . * حاجة الناس جميعا إلى أهل العلم في الدنيا معروفة ، فهم يذكّرونهم بربهم ويبصرونهم بأمور دينهم ، ويفتونهم فيما يجدّ في الحياة من أمور حسب تعاقب العصور . . أما في الآخرة - عند شيخنا يحيى - فإن العامة يحتاجون إليهم ليرشدوهم إلى ما يطلبونه من ربهم . . ويبدو أن شيخنا قد اعتمد في عبارته هذه على حديث جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - يرفعه ، فيما رواه ابن عساكر والديلمي . . ونصه « أنّ أهل الجنة ليحتاجون إلى العلماء في الجنة ، وذلك أنهم يزورون الله تعالى في كل جمعة ، فيقول لهم : تمنّوا علىّ ما شئتم ، فيلتفتون إلى العلماء ، فيقولون : ما ذا نتمنّى على ربنا ؟ فيقولون : تمنّوا عليه كذا وكذا ، فهم يحتاجون إليهم في الآخرة كما يحتاجون إليهم في الدنيا » ( قال الذهبي في الميزان : هذا الحديث موضوع ( تنزيه الشريعة 1 / 276 ) . * * *